المسألة الثالثة: قولُ الدار: “الأصلُ في الأفعال التي تصدر من المسلم حملُها على الأوجه التي لا تتعارض مع أصل التوحيد”.
وهذا القولُ ليس بصحيح على إطلاقه، بل أفعالُ المسلمِ إن احتملتْ كُفراً وغيرَه حُمِلتْ على غيرِ الكُفرِ، حتى يُستفصَل من صاحبِها، كالذي وقع من حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه-؛ فإنه لمَّا أرسل كتابَه إلى قريش يُخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ، فأُطلِع النبي ﷺ على ذلك، فاستفصل منه النبي ﷺ لمَّا كان الأمرُ يحتملُ النكوصَ وغيرَه، قال : ما هذا يا حاطب؟ فذكر عُذره، فقُبِل منه [يُنظر صحيح البخاري – 4274 ].

أما إذا لم يكن للفعل مَحْمَلٌ إلا الكُفر، فإنه يُحكَمُ بكُفرِ فاعلِه دون استفصال، مع مراعاة ثبوت الشروط وانتفاء الموانع، ومن هذا الضرب ما رواه ابنُ جرير الطبري في تفسيره [يُنظر جامع البيان – 10/ 172] أنَّ نفراً كانوا مع النبي ﷺ في غزوة، فلمزوا النبي ﷺ وأصحابَه القُرَّاء، ووصفوه بالكذب، والجُبن، والنَّهم، فحكم ﷺ بكفرهم، وفيهم نزلت: {قل أبالله وءاياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}. [التوبة – 66].

يقول القاضي عياض : “وكذلك نُكفِّرُ بكُلِّ فعلٍ أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبُه مصرِّحا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل، كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار … فقد أجمع المسلمون أن هذا لا يوجد إلا من كافر”.[الشفا – 2 / 287].

Leave a Comment