دراسات و بحوث  >  مقالات
ملء الفراغ الذهني لدى الشباب من الأسباب النافعة في انتشار الأمن في المجتمعات

ملء الفراغ الذهني لدى الشباب من الأسباب النافعة في انتشار الأمن في المجتمعات

تاريخ النشر:  16 مارس, 2015

ملء الفراغ الذهني لدى الشباب من الأسباب النافعة في انتشار الأمن في المجتمعات

يوجد لدى نسبة غير قليلة من الشباب فراغ ذهني خطير، هذا الفراغ ناتج فيما نتج عنه من وجود هُوة عميقة بين المشتغلين بالعلم من جهة، وبين بعض الشباب من جهة أخرى، إن كثيرا من الشباب الذين اتسمت تصرفاتهم بالغلو والتطرف لم يتلقوا العلم من أهله وشيوخه المختصين بمعرفته، وإنما تلقوه من مصادر غير مصادره.

لقد غفل هؤلاء الشباب أن علم الشريعة وفقهها لا بد أن يرجعوا فيه إلى أهله الثقات، وأنهم لا يستطيعون أن يخوضوا هذا الخضم الزاخر وحدهم دون مرشد يأخذ بأيديهم ويفسر لهم الغوامض والمصطلحات ويرد الفروع إلى أصولها.

إن دراسة الشريعة الإسلامية بغير معلم سليم الاتجاه صادق النية، لا تسلم من المخاطر ولا تخلو من ثغرات وآفات. . بل إن النتيجة سوء فهم الدين وضعف البصيرة بحقيقته.

وقد بين الشاطبي - رحمه الله - أن أول الابتداع والاختلاف المذموم في الدين المؤدي إلى تفرق الأمة شيعا، وجعل بأسها بينها شديدا أن يعتقد الإنسان من نفسه أو فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين، وهو لم يبلغ تلك الدرجة فيعمل على ذلك ويعد رأيه رأيا وخلافه خلافا. . . وقد نبّه الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - على خطورة هذا الأمر، وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقبض الله العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذالم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» رواه البخاري ومسلم.

لقد كان من نتائج فراغ أذهان بعض الشباب أن كان لأصحاب المذاهب المشبوهة دور في استغلال الأذهان الفارغة وحشوها بمعتقداتهم الضالة وانحرافاتهم الضارة، والذهن الإنساني أشبه بالوعاء الفارغ إذا لم تملأه بالخير امتلأ بالشر. . .

والتوعية الدينية مناطة بالعلماء، الذين يستطيعون أن يُبصِّروا الشباب ويحموهم من التخبط في وحل الدعوات الهدامة والوقوع في قبضة العصابات المجرمة، ومعلوم أن الإسلام دين واضح المنهج نقي الفكر صافي المورد، دين يحارب الخرافة كما يحارب العنف، دين يبني ولا يهدم، دين يجمع ولا يفرق يرفع ولا يخفض، من اتبعه فقد اهتدى ومن أعرض عنه ضل سواء السبيل.

إن من واجب العلماء العاملين احتضان الشباب ومد جسور المحبة بما يقضي على الفجوة القائمة بين كثير من الشباب ويعض العلماء، والتقارب سوف يؤدي بلا شك لإفساح المجال أمام الشباب، لاستيعاب أحكام الدين على أسس صحيحة دون مزيد يدعو للغلو ولا نقص يدعو للتهاون حتى لا يكون الشباب فريسة سهلة لأدعياء العلم المزور، الذين يتربصون بهم فيتحولون في أيديهم إلى ما يشبه الأداة اللينة، التي يكيفونها كيف شاءوا، ويضع في أيديهم آلة مبرمجة حسب مخططاتهم. هكذا يتحول الشباب.

ومن مقتضيات مسئولية علمائنا الأفاضل تفنيد الادعاءات الزائفة، وكشف زيف أهل الباطل، وإرشاد الشباب الحائر والأخذ بأيديهم إلى المسلك الحسن والمنهج الوسط، منهج الاعتدال بعيدا عن التسلط والتشدد والغلو في الدين، وبعيدا كذلك عن الانحلال وعدم الاهتمام بالواجبات الدينية، فنحن أمة وسط تمثل الاعتدال في كل الأمور، وبعض الشباب الذين لم تتفتح له رؤية واعية على النهج الإسلامي تتزاحم في أذهانهم خطرات وسوانح فكرية، يختلط فيها الصواب بالخطأ والحق بالباطل، وهو ينقاد للوجه الذي يكون له حضور ذاتي بجانبه، فيستطيع أن يستولي على ذهنه بطريقة صحيحة أو خاطئة، وبعض الشباب المدرك عندما يتبين له الخطأ ويكتشف أنه مُغَرَّر به يتراجع عن الانقياد الأعمى لأهل الأهواء الذين يوردونه موارد الهلاك، ويعود إلى المنبع الأصيل إلى الدين الحنيف فيسأل أهل الذكر، وهم العلماء الموثوقون فيبصرونه ويدلونه على النهج القويم، ويضعونه على المسار الصحيح، وعلماؤنا الذين هم أهل الفتيا ومحل القدوة، والذين لهم المكانة العزيزة في نفوس كل المواطنين حاكمين ومحكومين، عليهم أن يلغوا المسافات التي تفصل بينهم وبين الشباب حتى ينتفي الحاجز النفسي بين العالم والشباب، وهنا يتسنى انتفاع الشباب بعلم العلماء بما يحصنهم ضد نزعات الانحراف ودواعي الفتن، وأن لا يضيق علماؤنا الأجلاء بالأسئلة المطروحة عليهم مهما تكن نوعيتها ومظهرها، حتى يزول اللبس من أذهان الشباب ويرتفع الحرج من نفوسهم وحتى لا يجنحوا إلى الانحراف وراء الذين يحسنون لهم السيئ ويدفعونهم لارتكاب المحظورات تحت مظلة الدين، فلا بد من الصبر على تعليمهم وإفهامهم حتى يمكن حفظهم من الضياع بالعمل على تنقية عقولهم من السموم التي قد

يصبها رؤساء العصابات الإجرامية في أذهانهم، وتطهير أفكارهم من جميع المؤثرات الخارجية التي تستهدف جرهم إلى مستنقع الجريمة وإغراقهم في أوحالها وتحويلهم إلى سلوك الغالين، فيجنحون إلى التشدد الذي يخرجهم من دائرة الوسطية التي أمر بها الإسلام إلى تكفير المسلمين في ظل تأثير نفسيات مضطربة وقيم مهتزة ومفاهيم ذات انعكاس سيئ مما يسفر عن الانحدار نحو التعصب الأعمى والتشدد المقيت.

وفي ضوء ما تقدم نرجو أن يترفق علماؤنا الأفاضل بالشباب في إعطائهم التوجيهات، فلا يضيقوا من الدين واسعا، ولا يشددوا فيشدد الشباب أكثر مما هو مطلوب منهم، وإنما تيسير التوجيه تحت مظلة الهدي النبوي «يسروا ولا تعسروا» حتى تسير القافلة بأبناء هذا الجيل في طريق ممهد وتستقيم الخطى على نهج محدد.

المثل الأسمى والقدوة المثلى لنا جميعا هو الرسول الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - ما خُيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما. والشاب من عادته وبحكم حيويته يأخذ الأمور بالعزيمة، فإذا جاء من يحمله على الشدة تشدد حتى يخرج عن حد الاعتدال وإذا بلغ منه الغلو مبلغه حينئذ تصعب عودته إلى الحدود المرسومة للنهج الصحيح ويستعصي أمره بعد ذلك حتى على من تلقى منه التوجيه. . . ومن المهم التعامل مع الشباب من منظور خاص وعلى أساس واقعي يمكن من خلاله سبر أغوارهم وإدراك مراميهم وأهدافهم؛ ليتسنى التعامل معهم تعاملا واضحا يضع في الاعتبار أن الشباب - في الغالب - لا يقف عند حدود الوسط في استخدام طاقاته وفي التعامل مع الآخرين، وإنما يركن إلى الشدة ويجنح إلى الغلو أو يميل إلى الإهمال وعدم الاهتمام، فهو بين إفراط أو تفريط، إذا أملينا عليه

للعلماء واللطف على الشباب وعدم التهجم لأسئلتهم أو تجاهلها مهما بدا فيها من سطحية. . . فتكون النظرة إليهم على أنهم في دور التلقي وفي مرحلة قابلة للتحول بسرعة من وضع إلى آخر، وللاشتعال بعود ثقاب يشعله متربص من دعاة الضلال الذين يتلقون الأفراد من شبابنا في محاولة للتأثير عليهم، وصدهم عن السبيل القويم.

لذا فإن من المهم جدا كسب هؤلاء الشباب إلى الوضع الصحيح لكي تتوافر لديهم الرؤية الواعية بحيثياتها التي تحمل على الاقتناع التام بما يصدر عنه من معرفة وما يتلقونه من علم لضمان مسارهم في طريق الاعتدال ".

من كتاب متطلبات المحافظة على نعمة الأمن والاستقرار (ص: 49) بتصرف.



 

عدد المشاهدات (1392)