دراسات و بحوث  >  مقالات
سلامة الصدور يا إخوتاه

سلامة الصدور يا إخوتاه

تاريخ النشر:  08 يونيو, 2014

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد:

فإن من طبيعة الإنسان التي فطره الله عز وجل عليها العيش في جماعات، وهذه الجماعات جزء لا يتجزؤ من نمط حياته، بل هو في دورة حياته ينتقل بين جماعة وأخرى، ويساهم بنفسه في إنشاء هذه الجماعات أيا كان شكلها، ابتداء من الأسرة، ثم الأصدقاء الذين وجد فيهم القاسم المشترك الذي يدعوه إلى الاستمرار معهم، ثم القبيلة، ثم المجتمع، ثم العالم المحيط به الذي يعد التجمع الأكبر للإنسانية.

وقد حرص ديننا الحنيف على وحدة الصف الاجتماعي بين المسلمين، ولذا فقد نهى عن كل صغيرة وكبيرة ظاهرة وباطنة تسبب في تفكيك الروابط الاجتماعية، وتمزق جسد الأمة، ومن الأمور الخفية التي نهانا عنها الحقد والشحناء والبغضاء بحيث تكون القلوب مليئة على بعضها، ومشتعلة نارا عند ذكر من يوصفون بالإخوة، والأحبة، والشيطان ينزغ بينهم.

قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث))رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجن حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا..))رواه مسلم.

وسلامة الصدر صفة للمؤمنين الصادقين تجاه من قبلهم ومن عاصرهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى مخبرا عنهم حال دعائهم في الدنيا:(( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَاتَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ )) ﴿الحشر: ١٠﴾، وقال تعالى واصفا لهم في الآخرة وهم ينعمون بالجنة وزخرفها: ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)) ﴿الحجر: ٤٧﴾.

وإذا ما سلّم العبد صدره من آفات الأحقاد والكراهية وعامل الناس بالحسنى لا يعني أنه أضحوكة وأبله لا يحسن التصرف، قال ابن القيم رحمه الله: ((الفرق بين سلامة الصدر والبله والتغفل؛ أن سلامة القلب تكون من عدم إرادة الشر بعد معرفته، فيسلم قلبه من إرادته وقصده لا من معرفته والعمل به، وهذا بخلاف البله والغفلة فإنها جهل وقلة معرفة، وهذا لا يحمد إذ هو نقص، وإنما يحمد الناس من هو كذلك لسلامتهم منه والكمال أن يكون عارفا بتفاصيل الشر سليما من إرادته، قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: ((لست بخبّ ولا يخدعني الخب)) وكان عمر أعقل من أن يخدع وأروع من أن يخدَع)).

وكثير منا لا يهتم بحال قلبه تجاه إخوانه، مع أنه يهتم بأن يكون ماله حلالا ومطعمه طيبا ونظره مشروعا، وسمعه معافى، عن فتح بن شخرف قال: قال لي عبد الله الأنطالي: ((يا خراساني، إنما هي أربع لا غير: عينك ولسانك وقلبك وهواك، فانظر عينك لا تنظر بها إلى مالا يحل، وانظر قلبك لا يكون منه غل ولا حقد على أحد من المسلمين، وانظر هواك لا يهوى شيئا من الشر، فإذا لم يكن فيك الخصال الأربع فاجعل الرماد على رأسك فقد شقيت)).

وما أحوج البلاد اليوم لسلامة قلوب أبنائها، لا سيما في ظل انتشار وسائل الفتنة، وتزاحم أغراض الحاقدين، وإحاطة أطواق الطامعين بمعصم هذه البلاد، ولا شك أن قلوب العباد ما إن لم يَصْفو كدرها لن تعمل سويا، ولن تحقق مطلوبها وتصل إلى مقصودها، فأمراض القلوب عواقبها وخيمة، وآثارها جسيمة، ومن بينها: اشتعال الحروب الأهلية، والتمادي في الباطل والدفاع عنه، وإغلاق الأبواب أمام نداءات الحق، وبالتالي يفقد الاستقرار، وتُحرم البلاد من الأمن، وتمنع من الرخاء.

ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين



 

عدد المشاهدات (2324)