دراسات و بحوث  >  مقالات
خطورة الكلمة

خطورة الكلمة

تاريخ النشر:  06 أبريل, 2014

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

   الحمد لله,والصلاة والسلام على رسول الله,وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 أما بعد:

  فيؤكد القرآن الكريم في آيات عديدة على أهمية الكلمة وخطورتها وما يتبعها من مسؤولية, فالكلمة الطيبة تفتح أبواباً للخير والفلاح لدى المتلقي, وتكون بمثابة النور الذي يفتح العيون على رسالة الحق,ونحن في هذه الفترة الحرجة من تاريخ ليبيا نحتاج إلى الكلمة التي توحّد ولا تفرّق, تبني ولا تهدم,تصلح ولا تفسد.

   لذلك أيها الكرام يجب علينا أن نُفكر قبل أن نتكلم مع الآخرين,وأن نضبط كلماتنا عندما نختلف,أو نُعاتب,وعندما نُحاور, أو نحتج,فالكلمة سلاحٌ إن لم نحسن استخدامه عاد علينا بالضرر.

   كما علينا أن لا ننسى أن الكلمة الطيبة صدقة,ولن نخسر شيئا حين نكتب أونتكلم بكلمات راقية ومُهذبة.

   فسبحان من علَّم الإنسان الكلام والبيان،قال الله تعالى:(الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)(وَالْبَيَانُ: الْإِعْرَابُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ مِنَ الْمَقَاصِدِ وَالْأَغْرَاضِ وَهُوَ النُّطْقُ وَبِهِ تَمَيُّزُ الْإِنْسَانِ عَنْ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ فَهُوَ مَنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ)

الدعوة إلى انتقاء الألفاظ الحسنة والتنبيه على خطورة الكلمة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية:

قال الله تعالى(وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً)البقرة:من الآية83.

وقال سبحانه وتعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)الأحزاب:70.

وقال عز من قائل(وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) الإسراء:الآية53.

وقال الله عز وجل(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ )فاطر:من الآية10.

وقال سبحانه(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) النور:الآية15.

وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه، قَالَ, قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلم:«..اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» (2)صحيح البخاري,باب من نوقش الحساب عذب,(8/112).

   وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه و سلم :وهل نحن مؤاخذون بما تتفوه به ألسنتا؟فكان الجواب الحاسم من نبينا صلى الله عليه و سلم« ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» (3)سنن ابن ماجه,باب كف اللسان في الفتنة,(2/1314).

   وليتذكر جميع الأفراد,والأحزاب,والكتل السياسية,ومؤسسات المجتمع المدني,وبخاصة الإعلام(المرئي,المسموع,المقروء) الخاص والعام,ولا يمنع من الكلام في نقد الأخطاء وتقديم النصح للمخطئين,ولكن كل ذلك ينبغي أن يكون مقيداً بضوابط شريعتنا السمحة وآدابها, فلا تهييج لعامة الناس لأجل تحقيق أجندة جهوية أو حزبية أو مصلحة فردية, ولا دعوة للفوضى, ولا اتهام للأبرياء, ولا قذف للأعراض بحجة حرية الرأي, وتيقظ أخي المسلم بأن الله تعالى قال(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق:18.وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم قَالَ:« إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (4)صحيح البخاري,(8/101).

من أسباب انحراف الكلمة:

1- الجهلُ:جهلٌ بالشرعِ,وبالواقعِ,وبالآثارِ المترتبة على الكلمة قال الله تعالى(وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ)النحل:من الآية116.

2- التسرع:يقول المثل في التأني السلامة وفي العجلة الندامة,ويقول العلماء:المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق.

3- الانطباع على كثرة الكلام:بعض الناس لا يرتاح لسانه إلا إذا نام,أما إذا كان مستيقظاً فلابد أن يتكلم كلاماً نافعاً أو ضاراً ,ولهم نقول بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان كثير الصمت والتفكير, والعلماء يقولون أولُ أبواب العلم الصمت.

5- الهوى:يئول بصاحبه إلى أن يستخدم الكلمة في غير موضعها، فيغتاب أو يسعى بنميمة أو يشوه سيرة أخيه المسلم، أو يطعن في عرضه أو غير ذلك من الصور التي ليس لها دافع.

6- إطلاق الأحكام ونقل الكلام دون تثبت:يقول الله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) الحجرات:الآية6

7- الخوض فيما لا يعني والجدال والمراء:يقول سبحانه وتعالى(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) الإسراء:الآية:36.

    إن أمانة الكلمة أيها الأحباب مسؤوليتنا جميعاً،وهي تفرض علينا أن نستشعر بحق عِظم هذه الأمانة.ومن يعرف متى يضع كلمته يغنم، ومن يلقي القول على عواهنه يندم، ومن أطلق لسانه في بيان حاجته، وأبان بلفظه ما يقصد بوجهته فاز بالحسنى ,ومن لا يعرف كيف يوجه لسانه أو يؤدب بيانه، أو يحسن خطابه،كبا كبوة أليمة، وعثر عثرة مشينة تكشف عن جهله وانحدار فكره، وقد لا ينجو منها، وصدق من قال:

       وَجرحُ السيفِ تأسُوهُ فيبرأ    ***     وجرحُ الدهر ما جَرَحَ اللسانُ
       جراحاتُ الطِعانِ لها التئامٌ     ***     ولا يلتأمُ ما جَـرَحَ اللسـانُ

وقول القائل:

وما من كاتب إلا سيفنى ويُبقي الدهر ما كتبت يداه

                                      فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه.

  ويقول الإمام الحسن البصري رحمه الله :« إن لسان المؤمن وراء قلبه فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه بلسانه، وإن لسان المنافق أمام قلبه فإذا همَّ بشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبره بقلبه».

وفي الختام نسأل الله العلي القدير أن يوفقنا جميعا لجميل القول ، وصالح العمل, لأن الله تعالى يقول(هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) الجاثية:الآية29. 

وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ



 

عدد المشاهدات (3801)