دراسات و بحوث  >  مقالات
حرمة المال العام

حرمة المال العام

تاريخ النشر:  23 مارس, 2014

حُرمَةُ المَالِ العَام

  اعتبر الإسلام المال ضرورة من ضروريات الحياة وشرع من التشريعات والتوجيهات ما يُشجع على اكتسابه,وتحصيله,وتنميته,فإن حفظه مقصد من مقاصد الشريعة.

   لقد استخلف الله عز وجل النّاس على المال؛فنشأت الملكية الخاصة والعامة, وإن كان الفرد يبذل ما في وسعه للمحافظة على ماله الخاص, فإن النّاس جميعاً مُكلفون بالمحافظة على (المال العام),حيث أنَّ نفعه يعود عليهم جميعاً دون أَن يستأثر به أَحد.

تعريف المال العام:

   عرفه فُقهاء الشريعة بأنه:هو ما يشمل النّقود, والعروض, والأراضي, والآليات, والمصانع, وغيرها...,مما لم يتعين لها مالك، بل هي مُلك لجميع المواطنين.

مشروعية المال العام:

   المال العام مشروع بأدلة من القرآن الكريم قال الله تعالى(كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ (الحشر:من الآية7)), ويُستنبط من هذه الآية الكريمة أَن لا يكون المال تحت إمرة قلة من النّاس دون غيرهم.ولقد استنبط عمر بن الخطاب رضي الله عنه  من تفسير هذه الآية,عدم توزيع سواد العراق, وجعلها ملكية عامة ينتفع منها الأجيال المُتعاقبة.

  ومن السنة النبوية الشريفة:فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :« الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ في ثَلاَثٍ في الْكَلإِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ ».( السنن لأبي داوود - جمعية المكنز الإسلامي (3/ 295).), وفي رواية أخرى زيد عليه الملح وهذه النماذج ذات منفعة عامة يمكن القياس عليها وليست على سبيل الحصر.( حرمة المال العام في ضوء الشريعة الإسلامية, د. حسين حسين شحاتة,ص21).)

لماذا حماية المال العام؟

1- امتثالاً لقول الله تعالى:( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ( البقرة:من الآية 188)).

2- طاعةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم  فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ:«...فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا»، فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم : فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ، فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ " (صحيح البخاري (2/ 176)).

3- لأنه مملوك لجموع الناس, وليس لفرد بعينه, ويأثم المسلمون جميعاً إن لم يقوموا بحماية أموالهم الخاصة,والمال العام سواء بسواء.


أسباب التعدي على المال العام:

1- جهل كثير من أفراد الأمة بفقه حرمة المال العام.

2- ضعف القيم الدينية,والأخلاق الحسنة, والسلوكيات السوية.

3- ضعف دور أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع المدني في حماية المال العام.


الحكم الشّرعي للاعتداء على المال العام:

   حرّم الإسلام كل صور الاعتداء مثل: السرقة, والاختلاس, والغلول, وخيانة الأمانة ونقض العقود والعهود,والتربح من الوظيفة, والإتلاف, والإسراف والتبذير, وضياع الأوقات, و استغلال المال العام لأغراض حزبية فئوية,...الخ.

   والاعتداء على الأموال العامة من أشدِّ المحرمات،ويلزم المعتدي ردُّ ما أتلف، أو ردُّ مثله إن كان مثليّاً وقيمته إن كان قيميّاً وإن تقادم عليه زمن أخذه؛ لأنه نوع من أنواع الغلول.

   قال الله عز وجل:(وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ( آل عمران/161)).

   ولخطورة المسألة نذكّر ببعض النصوص التي تهتز منها القلوب وتقشعر منها الجلود محذرة المسلم بسوء عاقبة الاعتداء على المال العام :

أ- فعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ، يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ، قَالَ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا» ثُمَّ خَطَبَنَا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ، وَاللَّهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ " ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ»ثَلاَثًا.( صحيح البخاري (9/ 28)).

(عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ) بياض ما تحت الإبط وسمي عفرة لأنه بياض غير ناصع كأنه معفر بالتراب.

(ثَلاَثًا) أي كررها ثلاث مرات.

ب-  وعَنِ ابْنِ أَبِي عَيَّاشٍ وَاسْمُهُ نُعْمَانُ عَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، يَقُولُ: « إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ».( صحيح البخاري (4/ 85)).

 الشرح:(يَتَخَوَّضُونَ),من الخوض وهو المشي في الماء وتحريكه, والمراد هنا التخليط في المال وتحصيله من غير وجهه كيفما أمكن.

ج- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم  قَالَ:« مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ»( صحيح البخاري (3/ 116)).

د- وعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ، قَالَ,سَمِعْتُ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم  يَقُولُ:« مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا، فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»( صحيح مسلم (3/ 1465)).

هـ- وعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه ، قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : « مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ » (مسند أحمد ط الرسالة (7/ 59)).

   أخي المسلم بعد قراءتك أو سماعك لهذه النصوص فالواجب على كل مواطن موظف أو غير موظف أن يكون أميناً وناصحاً لبلده وأمته؛ يحفظ أموال الدولة وأوقاتها بصدق وإخلاص وعناية حتى تبرأ ذمته ويطيب كسبه ويُرضي ربه، وينصح لوطنه ولأمته، هذا هو الولاء لله والانتماء للوطن.

وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

                                                                                  


 

عدد المشاهدات (2978)