دراسات و بحوث  >  مقالات
الاهتمام باللغة العربية

الاهتمام باللغة العربية

تاريخ النشر:  23 فبراير, 2014


الاهتمام باللغة العربية وتعليمها .

لما أنزل الله عز وجل على عباده هذا الكتاب الكريم بلغة العرب ولسانهم؛ كان من الأهمية بمكان لكل من أراد أن يصل إلى معانيه ويهتدي بهديه أن يفهم هذه اللغة، ويتبحر في معانيها وأسرارها، ويضبط قواعدها، وفي خضم الحملات المختلفة على الإسلام وأهله، ظهر من ينادي بهجر هذه اللغة المباركة التي هي أعظم وسيلة لفهم كتاب الله عز وجل وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وهدمها واتخاذ العامية بدلا عنها، وذُكر أن ذلك بدأ سنة 1881م، ثم هاجت المسألة مرة أخرى سنة 1902م، حين ألف (ولمور) أحد قضاة محكمة الاستئناف الأهلية بمصر من الإنجليز، كتابا سماه لغة القاهرة، وضع لها فيه قواعد واقترح أن تكون لغة للعلم والأدب؛ كما اقترح كتابتها باللغة اللاتينية، فحملت عليه الصحف آن ذاك مشيرة إلى موضع الخطر من هذه الدعوة التي لا تقصد إلا إلى محاربة الإسلام في لغته، وفي هذه السنة كتب حافظ إبراهيم المصري قصيدته المشهورة التي مطلعها:

رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي***وناديت قومي فاحتسبت حياتي

واشتعل أوار هذه الدعوة من جديد سنة 1926م، حين دعا السير وليم ولكوكس إلى هجر اللغة العربية، وخطا خطوات عملية بهذه الفكرة البالية، ووجد من يعينه ويشجعه وينادي بباطله وما تولى كبره، وامتدّ الوباء حتى تسلل الداء إلى أحد كراسي مجمع اللغة العربية، فكتب عضو المجمع عيسى إسكندر المعلوف - الذي وصف بعدائه الصريح للغة العربية- مقالات عن اللهجة العربية العامية، وتحجج بما لا يستساغ حجة، مثل كون اللغة العربية الفصحى قواعدها صعبة والكتابة فيها غير ميسرة، ونشر مقالاته تلك في مجلة مجمع اللغة العربية بين سنتي: 1353ه-1934م، وسنة 1356ه-1937م، فقيض الله – عز وجل- له ولأمثاله من علماء الأمة من يرد أمره ويدحض شبهه، وييسر على الناس لغة كتاب ربهم، وذلك من أمثال ما كتبه العلامة محيي الدين عبد الحميد التحفة  السنية بشرح المقدمة الآجرومية، والتي فرغ من تأليفها سنة 1353هـ. ([1])اه

ولا زالت حملات انتقاص اللغة العربية تجدّ في العمل والمسير، وكل يوم نشاهد من يستبدلها بالعامية ويدعو إلى ما يسمى بالبساطة اللغوية، في الإعلام والكتب والصحف والمجلات، وأصبح في سنة من السنوات مدرس اللغة العربية هو ذاك الرجل المرتدي للجاكيت المغبر، والنظارة المقعرة السميكة، والمعقد في تصرفاته وأفعاله، وانتشر الأمر كشماعة يهدد بوصفها كل من تخصص في اللغة العربية.

وفي حين نرغب أن ندرب شباب الأمة ونأخذ بأيديهم ليتدبروا كتاب ربهم، ويتأملوا في تعاليمه، لا بد من الاهتمام أولا بتقويم اللغة العربية في لسانهم، والمبادرة لاستعمالها في مختلف شؤون حياتهم اليومية، وعباراتهم المتكررة.

والدول الإسلامية تستطيع ذلك باعتماد اللغة العربية الفصحى في الإعلام المختلف، والمناهج العلمية، ولا يستثنى من ذلك حتى لافتات الإعلانات في الشوارع، التي يقرؤها الملايين من المارة كل يوم.

واعتماد اللغة العربية في شؤون الحياة لا ينافي الاحتفاظ بالتراث الثقافي لغير الناطقين بها، ولو كانوا في الدول العربية كالأمازيغ والطوارق، بل هي عزة مشتركة يحمل رايتها المسلمون بمختلف ألسنتهم وبلدانهم، وإقامتها وانتشارها إقامة للدين، وإعانة على نشره وتعليمه، وإنه ليؤسفنا ونحن في الدول العربية هذا الانتشار للهجة العامية-وإن كانت في أصل نشأتها عربية، وهذا الضعف الملحوظ على ألسنة أبنائنا وأهلنا.

كما يمكن للمؤسسات العامة أن تسهم وتسعى في نشر التطبيقات التقنية باللغة العربية دمجا لها بمتطلبات الشارع وتطورات العصر، ولا يكفي فتح المعاهد والمدارس للغة العربية، بل نأمل أن تستخدم اللغة العربية في المناهج التعليمية ابتداء من مجلات قصص الأطفال، ونتهاء بالمناهج الدقيقة بالعلوم التطبيقية:

وسعت كتاب الله لفظا وغاية *** وما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة***ووضع أسماء لمخترعاتي.

 



[1] من مقدمة د.شوكت درويش لتحقيقه لكتاب التحفة السنية بتصرف يسير.

 



 

عدد المشاهدات (2563)